ابن رشد

173

تهافت التهافت

وأما النوع الثاني : فهو الانقسام بالكيفية ، كانقسام الجسم إلى الهيولى والصورة ، وهذا على مذهب من يرى أن الأجسام مركبة من مادة وصورة وهو مذهب الفلاسفة وليس هذا موضع التكلم على تصحيح أحد المذهبين ، وهذا الانقسام ينتفي عن الأول أيضا عند كل من اعتقد أنه ليس بجسم . وأما انتفاء الجسمية عن الأول من جهة ما هو واجب الوجود بذاته فسيأتي الكلام في تعريف مرتبة القول المستعمل في ذلك على التمام . وذلك أن قوله : واجب الوجود مستغن عن غيره ؛ أعني لا يتقوم بغيره والجسم يتقوم بالصورة والهيولى ، وكل واحد من هذينت ليسا بواجب الوجود ، لأن الصورة غير مستغنية عن الهيولى ، والهيولى أيضا غير مستغنية عن الصورة ، هذا فيه نظر . وذلك أن الجسم السماوي عند الفلاسفة ليس مركبا من مادة وصورة ، وإنما هو عندهم بسيط ، فقد يظن أنه يصدق عليه أنه واجب الوجود بجوهره ، وستأتي هذه المسألة . ولسنا نعرف أحدا من الفلاسفة اعتقد أن الجسم السماوي مركب من مادة وصورة كالأجسام البسيطة التي دونه إلا ابن سينا فقط ، وقد تكلمنا في هذه المسألة في غير ما موضع وسنتكلم فيها فيما يستأنف . وأما البيان الثالث : وهو نفي كثرة الصفات عن واجب الوجود ، لأن هذه الصفات إن كانت واجبة الوجود ، والذات واجبة الوجود ، كان واجب الوجود أكثر من موجود واحد وإن كانت معلولة عن الذات لزم ألا تكون واجبة الوجود ، فيكون من صفات واجب الوجود ما ليس واجب الوجود ، أو يكون هذا الاسم يشتمل على ما هو واجب الوجود ، وغير واجب الوجود ، وذلك ممتنع ومستحيل فإنه بيان قريب من أن يكون حقا إذا سلم أن واجب الوجود يدل ولا بد على موجود في غير مادة ، فإن الموجودات التي ليست في مادة وهي القائمة بذاتها من غير أن تكون أجساما ليس يمكن أن يتصور فيها صفات ذاتية تتقوم بها الذات ، فضلا عن أن يتصور فيها صفات زائدة على الذات وهي الصفات التي تسمى أعراضا ، لأنها إذا توهمت مرتفعة لم ترتفع الذات بخلاف الصفات الذاتية ، ولذلك يصدق حمل الصفات الذاتية على الموصوف على أنها هي هي ، ولا يصدق حمل الصفات الغير ذاتية عليه إلا باشتقاق الاسم ، فلا نقول في الإنسان أنه علم كما نقول فيه أنه حيوان ، وإنما نقول فيه أنه عالم موجود ، أمثال هذه الصفات فيما ليس بجسم مستحيل ، لأن طبيعتها طبيعة غريبة عن الموصوف